«التحرير» في منزل «ملياردير الغلابة» شارك الله فربحت تجارته
Emily Wong 01/18 18:29
كتب - لانا أحمد ومعتز لاشين: تصوير: حسام بكير
لم يكن رجلًا عاديًا فى عطائه، أعطى من حوله بلا حد أو مقابل، فوصفوه بنهر العطاء الذى لا ينضب، لم يختلف اثنين على حبه، في قريته، والدعاء له، فودعه أهلها بأكملها عند رحيله.. إنه الحاج صلاح عطية، المعروف بـ"ملياردير الغلابة"، الذى توفى عن عمر يناهز الـ 70 عاما، ليصبح مشهد جنازته فى قريته "تفهنا الأشراف" محفورا فى الذاكرة، لرجل تاجر مع الله.
أربعون عامًا من الكفاح والعمل الخيرى، هكذا كانت حياة صلاح عطية، الزاهد فى الشهرة أو المنصب، فظل يعمل الخير في السر، رافضا الظهور فى أى وسية إعلامية، للتحدث عن إنجازاته وعطاياه الكثيرة، فكان يرى أن الأمر بينه وبين الله فقط.
من يعيش للآخرين، يعيش أكثر من حياة، وهو ما فعله عطية، متخذا من الإصلاح والعطايا فى قريته بمحافظة الدقهلية هدفا له، حتى حققه بإنجاز ونجاح.
كيف تحول صلاح عطية إلى "ملياردير الغلابة"؟
حكاية صلاح عطية كما يرويها صديقه صلاح منصور، جاءت بعد تخرجه من كلية الزراعة، وأثناء عمله كمدرس للمواد الزراعية فى أحد المدارس، أراد الاشتراك فى مشروع لتجارة العلف والدواجن، مع عدد من شباب القرية، ومن هنا بدأت قصته.
الحكاية المتداولة منذ القدم بين أهل القرية، أنه أثناء توقيع عقد الشراكة لمشروع الدواجن، كان عدد الشركاء تسعة، فقرر صلاح عطية أن يكون الشريك العاشر هو "الله" سبحانه وتعالى، وخصص نسبة 10 % من الأرباح للفقراء والغلابة ، حتى زادت تلك النسبة بعد ذلك مع توسع التجارة، ليصبح العمل الخيرى الجزء الأهم و الرئيسى من أعمال عطية.
ذكاء عطية فى التجارة والأعمال، برفقة زوجته ورفيقة عمره التى ساعدته حتى وفاته، كان له أكبر التأثير ليس عليه فقط، بل على "تفهنا الأشراف" بأكملها، هكذا يقول منصور.
رفاق دربه يحكون ذكرياتهم معه
داخل مؤسسة البدر للأعمال الخيرية، اجتمع رفاق صلاح عطية، فى غرفة صغيرة، شهدت جدرانها على قصص الرجل وحكاياته، متذكرين كيف أثّر على حياتهم، وتبدلت بسببه، وكيف كان عطية نموذج مشرف لرجل الأعمال.
“لو فيه 100 واحد زى صلاح عطية كان حال البلد اتصلح" هكذا يقول أحد رفاقه، متذكرا بابتسامة موقف صغير جمع بينهما، حين أعلن عطية تقديمه مكافأة مالية لمن يحفط جزء من القرأن، وهو ما شجعه على البدء رغم كبر سنه.
رغم انتقاله إلى القاهرة إلا أنه أصر على القدوم إلى القرية كل أسبوع، لتفقد أحوالها، وأحوال أحوالها، والنظر فى مشكلاتهم، كما يحكى صلاح منصور، متذكرا كيف كان يستقبله أهل القرية بحفاوة وحب، حيث كان يصر على إعداد وليمة غداء لكافة سكان "تفهنا الأشراف".
وعند سؤال أصدقائه عن سبب شهرة صلاح عطية عن غيره، ممن وقعوا عقد الشراكة مع الله، أجمعوا على أن طريق الخير الذى سلكه عطية واستكماله، وعدم انجذابه إلى عالم رجال الأعمال، ما جعله يحتفظ بأعماله، ومكانته بين قلوب الناس.
في أحد الحارات الضيقة بـ"تفهنا الأشراف"، بجانب العديد من المنازل ذات الألوان المتداخلة، يوجد منزل صلاح عطية والذى لا يبدو من معالمه أنه ينتمى لمياردير، فالبساطة تغلب علي طابعه، وحوله أطفال من القرية يلهون، والذين هم أيضا رغم صغر سنهم، يرددون حكايات عطية وكأنه بطلهم.
"كان منزله بيتفتح لكل اللى عايز مساعدة" هكذا يقول تامر عبد العظيم ابن عم صلاح، مضيفا ان عائلته كلها كان لصلاح الفضل عليها ليس فقط بالمساعدات، لكنه غرز بهم وعلمهم حب الخير، ومساعدة الغير.
جودة شقيقه الأكبر: صلاح رفض العمل السياسى رغم العروض المغرية
آمن صلاح بأن الحصانة من عند الله، وليس من عند البشر، ما جعله يرفض العروض المغرية التى قدمت له للمشاركة فى السياسية، والترشح لمجلس الشعب، رغم تأكده اكتساحه بقوة، فأهل البلد كلهم يؤمنون بقدرته على شغل المنصب عن جدراة.
يحكى جودة عطية شقيقة الأكبر أن صلاح دائما كان على قناعة بأن العمل السياسى سيعرقل مشواره الخيرى، ما جعله يبتعد عنه، مضيفا أن علاقته بكافة البشر كانت جيدة بغض النظر عن انتمائتهم السياسية والدينية، فكان يقول دائما "أنا بتعامل مع بنى أدم وده اللى يهمنى".
لم ينجب عطية أبناء فورثته القرية بأكلمها
لم يرزق الله الحاج صلاح عطية بذرية ترثه، لكنه اتخذ من أهل القرية جميعا أولادًا له، فأخذوا عنه خيره وأعماله الباقية، ممثلا لهم "الأب الروحي".
ينوى أهل صلاح عطية استكمال مسيرة الخير من بعده، كما يقول ابن عمه، مشيرا إلى ان كافة الأعمال الخيرية ستستمر، والمبالغ التى تصل إلى الأسر واليتامى والفقراء ستظل كما هى، فذلك ما أراده عطية بعد رحيله.
"الأسر المسيحية" جزء أساسى من تبرعات عطية
يحكى محمود عطية أحد أقاربه، أن الراحل تكفل برعاية أسر مسيحية، موفرا لهم شهريات كاملة، فكان يرى أن الخير لا يعرف دين، فالمسألة بينه وبين ربه فقط.
"تفهنا الأشراف" قرية مكتفية ذاتيا
من مكان معدم تحت خط الفقر المدقع، إلى قرية حققت الاكتفاء الذاتى، وليس بين أهلها عاطل، بل يأتي إليها الطلاب المغتربين طلبا للدراسة فى جامعة الأزهر، هكذا تحولت "تفهنا الأشراف" بفضل مجهودات صلاح عطية، والذى لا ينكر أحد من أهل قريته ما فعله بهم، وكيف تبدلت أحوالهم بسبب أعماله الخيرية.
أهل القرية يتحدثون عنه كأنه أسطورتهم الخاصة، بعد الإنجازات العديدة التى أنشأها فى "تفهنا الأشراف" بداية من إنشاء المعاهد الأزهرية بمراحلها المختلفة، وتأسيس فرع لكلية الشريعة جامعة الأزهر، وإنشاء مدن جامعية للمغتربين، بالإضاقة إلى مؤسسة بدر للاعمال الخيرية، التى تتضمن مستشفى خيرى و تأمين صحى، وعناية مركزة، وصيدليات، ومركز لمعالجة الإدمان، ومراكز لتحفيظ القرأن، ودور للايتام، وعديد من المشاريع الخيرية.
رفض صلاح عطية إطلاق اسمه على أى من مشاريعه الخيرية، رفضا للشهرة، حتى تخطت أعماله حدود قريته، لتنطلق إلى المحافظات الأخرى، ليصبح اسمه مخلدا بعد وفاته، محققا الشهرة التى رفضها فى حياته.
"كلية الشريعة جامعة الأزهر" أولى أعمال عطية الخيرية
عديد من الطلاب امتلأت بهم كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، والذين جاءوا من محافظات مختلفة للدراسة، فى ذلك المكان الذى جاءت فكرة إنشائه لصلاح عطية، عن زيارة شيخ الأزهر، جاد الحق علي جاد الحق، لقرية تفهنا الأشراف، فعرض عليه الفكرة ووافق.
يرى الدكتور عبد الحليم منصور وكيل الكلية، أن الراحل حقق طفرة فى مجال التعليم في قرية بسيطة وصغيرة لا تتعدى مساحتها الكيلومترات، مضيفا أن صلاح عطية اهتم بمجال التعليم أكثر من غيره، لأنه يرى أن من خلاله ستنهض القرية وترتفع مكانة أبنائها.
لم يكتف عطية بذلك، بل أنشأ معهد للمتفوقين، وهو يختص بتعليم أوائل المدارس الأزهرية، والتكفل بكافة أحتياجتهم، من تعليم وسكن وغيره، حتى يصلوا إلى مكانة متميزة ومستوى تعليمي عالي.
رغبة أهل القرية بتحويل قصة عطية إلى عمل درامي
يرى الدكتور عبد الحليم منصور، ضرورة كتابة سيرة ذاتية تتناول حياة صلاح عطية، حتى تكون نموذجًا يحتذى به، وحتى يعرف الناس حياته بالكثير من التعمق والتفاصيل، بالإضافة إلى أنه نوع من التكريم له.
وأضاف أن القصة يمكن أن تكون ملهمة للكثير من صناع الدراما، لتناولها فى أحد أعمالهم.
وصايا عطية.. ألا يحمل أحد نعشه وألا يقام له سرداق عزاء
بعد رحيله تم الإطلاع على وصايا صلاح عطية، والتى قال خلالها أنه لا يريد أن يقام عزاء له، بل يتم ضيافة المعزيين لمدة 3 أيام وتقديم الطعام للمحتاجين، وألا يحمل أحد نعشه، والمرور به فى القرية، بل أراد أن تحمله سيارة الإسعاف حتى مثواه الأخير، وذلك حتى لا يحدث تدافع، وألا تدار الشائعات والخرافات حول جنازته، من قبيل أن له كرامات.