الثورة الليبية بين شرفات فنادق الخمسة نجوم ووحل الشارع . ماذا قدم القذافي لفلسطين؟- خالد أبو الخير
Andrew Mckinney الذين درجوا على رؤية ليبيا من شرفة فندق خمسة نجوم، والتنقل بسيارات فخمة ذات زجاج ملون، إبان زياراتهم التي تتم بدعوات رسمية، لم يروا من ليبيا شيئاً، وهم آخر الناس ممن يملكون الحق في الحديث عن ليبيا.
حين ترى ليبيا من الشارع، وتلتقي الناس العاديين، تدرك حقيقة هذا البلد الذي أوقف العقيد معمر القذافي تقدمه وحجرّه في الزمن، لدرجة أن الفروق بينه وبين الدول العربية الأخرى باتت تتجاوز القرون.
بلاد مدمرة رغم غناها وثرواتها التي إحداها الثروة النفطية، فلا صحة ولا تعليم ولا مجاري أو بنية تحتية، وشعبها فقير يعاني الأمرين من نظام -أو الأصح لا نظام- قمعي متجبر سلطوي، يريد أن يمشي كل شيء في ليبيا "على كيفه" وأحلام يقظته، ألم يدعُ القذافي إلى زواج الليبيين والليبيات من رجال ونساء من الجنس الأسود.
الثورة الليبية صنعها أبناء ليبيا الأحرار، أحفاد عمر المختار، الذين عانوا أكثر من أربعين عاما من حكم رجل أقل ما يقال فيه إنه فاقد للإدراك، ولم تصنعها المخابرات الأمريكية، ولا القاعدة والسكارى والمهلوسون كما يدعي القذافي وابنه سيف.
وعند النقطة الأخيرة، لا بد لي من التأكيد أن حبوب الهلوسة والمخدرات في ليبيا لم تكن جهد ناس تمارس التهريب، لكن النظام -كما قلت لليبيين في ليبيا- هو من يرعى دخول هذه المخدرات إليكم، ودليلي بسيط: فمن يتكلم في السياسة كان يختفي وراء الشمس إلى الأبد، ومن يقبض عليه ومعه كيلو حشيش أو حبوب هلوسة كان يطلق سراحه بعد أيام أو أسابيع.
ومن الأدلة على ذلك أن سعر كيلو اللحم في ليبيا كان يصل إلى 12 دينارا ليبيا عام 1993، وهو أعلى من قدرة الشعب الليبي على الشراء؛ إذ تتراوح المرتبات بين 200 ــ 300 دينار، في حين أن سعر إبرة الهيروين في طرابلس خمسة دنانير فقط، وهي التي تباع في القاهرة ونيويورك بسعر لا يقل عن 100 دولار.
فسروا لي ذلك، ثم حاكموا ما يقوله القذافي عن شعبه المتعاطي لحبوب الهلوسة، وما ترونه على الفضائيات من تَدَيُّنِ هذا الشعب وإقامة الآلاف من أبنائه للصلاة في ميادين الثورة.
مشكلة أولئك الذين رأوا ليبيا من شرفة فنادق الخمسة نجوم، أنهم خدعوا بما رأوه عن الأوضاع في ليبيا، وافتتنوا بمواقف العقيد الداعية إلى تحرير فلسطين وإقامة "إسراطين" وغيرها من الأفكار.
ذلك يقودني إلى سؤال، هو: ما الذي قدمه نظام القذافي للفلسطينيين وللقضايا العربية؟ أنا شخصيا لا أعرف ماذا قدم القذافي فعليا عدا كونه ظاهرة كلامية. ففي العام 1982 أثناء غزو بيروت هدد القذافي بإرسال طيارين ليبيين انتحاريين لضرب القوات الإسرائيلية! وفي العام 1983 أرسل القذافي قوات ليبية مدرعة للمشاركة في حصار مدينة طرابلس اللبنانية ومخيماتها التي عاد إليها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تهريبا من تونس؛ لتكون قاعدة له في لبنان لاستمرار المقاومة ضد "إسرائيل"، وجرى إخراجه وقواته منها.
وفي أواسط التسعينيات قذف القذافي بالفلسطينيين المقيمين في ليبيا إلى الحدود المصرية، ليعانوا البرد والجوع، ويدافعوا عن أنفسهم أمام العقارب السامة، بدعوى أن فلسطين قد تحررت، وأمضوا سنتين يعانون تلك الأوضاع، بعدما خسروا كل ما يملكون في ليبيا.
أما ما فعله القذافي لدعم العراق فهو في غاية الروعة، لدرجة أن المرحوم الرئيس صدام حسين كان "يعطي للقذافي مكانة خاصة في نفسه"، فالقذافي وقف إلى جانب إيران في حربها، ولم يكتف بالتأييد السياسي؛ إذ زودها بصواريخ أرض أرض "سكاد" ليبية لم تكن تملكها، قصفت بها بغداد وباقي المدن العراقية، وسقط المئات من العراقيين بنيران هذه الصواريخ، من ضمنهم طلاب مدرسة أطفال في ديالى. كما أن القذافي اكتفى بقيادة مظاهرة في طرابلس ضد هجوم التحالف على العراق، ثم ذهب إلى خيمته ليرتاح، وهذا أقوى دعم قدمه لصدام.
الثورة الليبية ثورة شعبية تستحق التمجيد والدعم، فقد جاءت ضد نظام أعاد ليبيا إلى الوراء، ودمر مقدراتها، وخنق أحلام مواطنيها، وليست الثورة من دعا الأجانب إلى مهاجمة أو احتلال ليبيا، لكنه القذافي الذي استعان بالمرتزقة أولا، وما يزال متمسكا بالسلطة، يعرض على الليبيين "إقامة شعبيات ولجان شعبية جديدة"، ضمن نظام حكمه الذي مل الليبيون منه وضجوا، بدلاً من أن يرحل ويجنب ليبيا إراقة المزيد من الدماء.
الثورة الليبية ثورة شريفة، وثورة شعب عظيم، حكمه شخص مصاب بجنون العظمة، منفصل عن الواقع والحاضر والمتغيرات؛ لأنه ما زال أسيرا لعقلية القرون الوسطى.
* السبيل