أسماء شهاب الدين تكتب لسعة السوط صورة الأستاذ في فيلم ويبلاش
Mia Morrison 12/18 19:44
يمكنني أن أعلن دونما أدنى شك أن ويبلاش Whiplash ليس فيلما عن الجاز. إنه – ببساطة عبقرية - عن العلاقة بين التلميذ والأستاذ من خلال قصة "آندرو" قارع طبول الجاز (يقوم بدوره الممثل الصاعد مايلز تيلر) ذي التسعة عشر ربيعا الذي يرتاد "شيفر" آملا في أن يجترح العظمة في الموسيقى في واحدة من أفضل المدارس الموسيقية في الولايات المتحدة تحت إدارة مايسترو المدرسة المخيف والمتعسف الأستاذ "فليتشر" الذي يقوم بدوره جي ك سيمونز بجدارة. يقدم "ويبلاش" العلاقة المعقدة بين الصبي والمعلم بلغة "الحِرَف" حيث المعلم يحاول أن يخرج من التلميذ/ الصبي جذوة الموهبة – بكل الطرق القاسية والمهينة - وما يظن التلميذ نفسه أنه ليس لديه، والتلميذ الذي يتماهى مع هذه الفكرة كي "يشرب" من المعلم الصنْعة وينال اعترافه به.
ويبلاش Whiplash تعني بالانجليزية ضربة السوط؛ تلك اللسعة السريعة المؤلمة لسوط. وهذا العنوان (الذي هو عنوان مقطوعة موسيقية شهيرة أيضا) يلخص باقتدار طبيعة العلاقة بين فليتشر وآندرو كما يشير إلى المفهوم البيداجوجي المختلّ الذي يتبناه الأستاذ "فليتشر" نحو طلبته عموما، ومفاده أن العظمة ألا تخطيء أبدا، وأن النجاح المبهر وليد التنافس المحموم والمشقة والدفع بإمكانيات النفس إلى الدرجة القصوى عبر مجموعة من الضغوطات النفسية المفتعلة. التشجيع أيضا مفسدة، وإن أسوأ كلمتين على الإطلاق في اللغة الإنجليزية هماwell done” " أي أحسنت. والأهم أنه مقتنع تماما بأن الصدمة النفسية المؤلمة التي يتلقاها عازف أو تلميذ في مقتبل العمر هي المحفز السليم الذي سيقوده نحو النجاح والعظمة فيما بعد. وتتراوح تلك الصدمات ما بين الاستهزاء والسبّ إلى الصفع على الوجه والقذف بالكراسي!
فليتشر إذن يعتدي نفسيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى على آندرو فهو يستغل ما يعرفه عنه منه في حوار خاص بينهما ثم يعيره به على الملأ وأمام باقي فرقة (استوديو) كما يعتدي عليه بدنيا ويكيل له الصفعات في مشهد بالغ القسوة بشكل مباشر وأيضا بشكل غير مباشر حينما يضطر آندرو للتدرب القاسي المتواصل حتى تنزف يداه الدماء. يرى فليتشر أنه ليس مجرد مايسترو يحرك يديه فيقود العازفين، إن دوره أعظم من ذلك وهو دفعهم نحو أفضل آداء ممكن.. نحو العظمة. هنا يسأل آندرو: هل من حدّ؟ يقصد هل من حدّ لما يفعله الأستاذ في تلميذه وهو يدفعه للنجاح؟! هذا الأسلوب من التعليم أو التربية (التعلم من خلال ما نعرفه بـ Psychic trauma" أو الصدمة النفسية) يعتمد على خلق ارتباط شرطي بين الخطأ وبين لسعة السوط التي لا تُنسى وتحفر مكانها في الروح قبل الجسد الدامي. سيحاول المتعلم تجنب الخطأ قد الإمكان لأن تكراره يعني مزيدا من الألم. الأستاذ هنا يمنطق ما يفعل بل يتمترس خلف أفكاره الخاطئة معرفيا وفي كثير من اللحظات تتلبسه روح قائد كتيبة عسكرية بل إله من الآلهة. كيف يتعلم الإنسان أن يكون مقاتلا؟ من خلال وضعه تحت ضغط نفسي مستمر يصقل قدراته وعبر صراعه مع العقبات التي تعترضه، وفليتشر يصنع العقبات بنفسه لا يترك هذه المهمة للحياة أو القدر. هو القدر هنا. إنه يتقمص دور إله العذاب والجبروت لا الرحمة إذا جاز لي التعبير. هو صاحب عملية "الانتخاب" نفسها.. من يذهب ومن يبقى.. من يموت ومن يحيا.. فمن يسقط في الطريق من تلامذته يبتعد وتدوسه الأقدام. لا مكان له بعد ذلك. وعلى الجانب الآخر المضيء ربما، هو يصنع العازفين ويخلقهم ويعجنهم على طريقته، فلا يمكننا إنكار أنه مُجيد ولديه ما يقدمه لطلبته على المستوى العلمي. أليست كلها أدوار رب من الأرباب حتى لو صدرت عن ألوهية مزيفة ومهابة تستقي جوهرها من التعذيب والألم؟!
فليتشر خليط من عقد النقص (هو نفسه لم يستطع أن يكون عازفا عظيما) والنرجسية التي تكلله بالعجرفة والشعور بالعظمة وجلال ما يفعل وضرورة السيطرة على من حوله، هو لا يرى أخلاقيا أي ضرر في أسلوبه مع آندرو أو غيره من الطلبة بل إن دموعه الحزينة على أحد تلامذته الذي مات شابا ليست أبدا دموع ندم أو تعاطف بقدر ما هي حزن على فقده لصنيعة يديه وفقده لنفسه فيه. النرجسي مخادع أيضا وهو ماحدث عندما ضم آندرو لفرقته التي ستعزف في حفل جي في سي في فينالة الفيلم . كم ظهر وضيعا في مشهد النهاية حينما أراد أن يعري فشل آندرو أمام كل الناس والشركات الكبرى في الصناعة " التي لا تنسى" على حد قوله.. لا تنسى الفشل يقصد.
يمكننا أيضا أن نلمح طرحا فرويديا في هذا الفيلم، فالصراع بين الأب المعلم والابن التلميذ واضح منذ البداية لكن انقشاع الأزمة لن يحدث إلا بقتل الأب أو ابتلاعه حين ينقلب على الأستاذ وينتزع اعترافه بموهبته في أجمل مشاهد الفيلم؛ مشهد النهاية حيث يقود التلميذ العزف وتتوارى سلطة الأستاذ الذي يبتسم معلنا رضاه وترتخي قسمات وجهه الحادة ويتراجع للوراء قليلا وتظلم الإضاءة حول جسمه لكنها تسطع فوق التلميذ وتغمره بالضوء. التلميذ الذي سينجح أخيرا عازفا أجمل آداء "سولو" له بعد فشله في اختبار سابق للمعلم لم يشفع له فيه أن أدمى يداه. المشهد الأخير تحديدا.. وقوف الابن منتصرا على جثة الأب كي يلد نفسه ويخلق إبداعه الخاص هو ما يكلل ذلك القتال العنيف من أجل النجاح ومن أجل بقعة مضيئة في هذا العالم القاسي. الطبول لم تكن اختيارا عشوائيا لآلة موسيقية. إنها جوهر الإيقاع التي لا تهزها أو تنطقها نقرات العصي الخشبية على بطنها وإنما تنطق تحت شغف الموهبة المناضلة بالدم والعرق وسعي الفنان للكمال.. نهاية سعيدة ربما. استحق آندرو الحياة والنجاح فهو لم ينتحر كطالب سابق لفليتشر أُصيب بالقلق والاكتئاب، ولم يبتعد مخزيٍّا. المشهد الأخير تحديدا هو الذي نأي بهذا الفيلم عن الوعظ والمباشرة وأحادية الرؤية، ولكنه بالنسبة للبعض قد يحمل رؤية مختلطة وجدلية، فنموذج فليتشر موجود في جامعاتنا ومدارسنا التي لا تجرَّم بالجدية الكافية الاعتداءات الجسدية أو النفسية من الأساتذة على الطلاب، بل وتربِّي النشأ على تقبِّل هذه الاعتداءات في مناخ ثقافي يجعل من الحياة مقابلا للألم والمعاناة، فتضحي تلك العلاقات وكأنها تبادلية سادية مازوخية بذيئة.