حقيقة مؤكدة لا وجود للحسين أو السيدة زينب فى مصر
William Burgess 08/17 18:47
من الاكاذيب التاريخيه الكبري التي لاقت قبولاً وانتشارًا واسعًا، تلك الخاصه بقبري الحسين وشقيقته السيده زينب بالقاهره، حيث ان الاثنين لم ياتيا الي القاهره لا احياءً ولا امواتًا، لا بجسدهم ولا بجزء من رفاتهم، وبالنسبه لقبر السيده زينب فلم يرد ذكر قبرها في العديد من روايات شهود العيان من الرحاله الذين رحلوا الي مصر، وكتبوا عن اثارها، وتحدثوا عن مزاراتها، وبالطبع اهمها مشاهد تخص ال البيت، ومن ابرز هؤلاء الرحاله: ابن جبير، والهروي، وياقوت الحموي، وإبن بطوطة، وابن دقماق المصري، وخليل بن شاهين الزاهري، وغيرهم.
فلا نجد عند كل هؤلاء اي ذكر لقبر يُنسب الي زينب بنت على بن أبي طالب، فمن اين جاء هذا القبر؟
لقد جاء ضمن اكاذيب من يسمي بالرحاله الكوهيني، الذي دخل القاهره في 14 محرم 369هـ، في فتره حكم المعز العبيدي الفاطمي (اثناء استيلاء الدوله العبيديه الرافضيه علي مصر)، حيث زار عده مشاهد، وقال: "دخلنا مشهد زينب بنت علي فوجدناه داخل دار كبيره، وهو في طرفها البحري ليشرف علي الخليج، فنـزلنا اليه بدرج، وعاينا الضريح، فوجدنا عليه دربوزًا (درابزين) ومكتوب علي باب الحجره هذا ما امر به عبد الله ووليه ابو تميم، امير المؤمنين الامام العزيز بالله "صلوات الله عليه وعليه ابائه الطاهرين وابنائه المكرمين" بعماره هذا المشهد علي مقام السيده الطاهره بنت الزهراء البتول زينب بنت الامام علي بن ابي طالب "صلوات الله عليهما وعلي ابائها الطاهرين وابنائها المكرمين".
وقد انكر العلماء ما ورد علي لسان الرحاله الكوهيني لاسباب كثيره، فلو كان لها مشهد بمصر بهذه الابهه والفخامه التي يذكرها، فلماذا اختفي عن بقيه الرحاله والمؤرخين؟، ولماذا اختفي امره علي معاصري الكوهيني، والمؤرخ الكبير الذي صرف همه في تحرير حوادث مصر خاصه، وهو ابن زولاق المتوفي سنه 388هـ، الذي كان حيًا في مصر وقت زياره الكوهيني، ينكر دخول اي ولد من صلب علي ابن ابي طالب الي مصر، ويقول ان اول من دخلها سكينه بنت علي بن الحسين؟، فالظاهر ان ما راه الكوهيني هو مشهد زينب بنت يحيي المتوج بن الحسن الانور ابن زيد بن حسن بن علي بن ابي طالب، وبه قال شيخ الازهر الشيخ محمد بخيت المطيعي.
فما راه الكوهيني يُـثبت بما لا يدع مجالاً للشك التزوير المتعمد الذي قامت به الدوله العبيديه الرافضيه؛ كي تروج لدي الشعب المصري زياره الاضرحه، وهي تعلم يقينًا كذب دعواها؛ اي ان الكوهيني اطلع علي لوحه كتبها الحاكم نزار بن المعز العبيدي للترويج لحب ال البيت، كما فعل الوزير طلائع بن زريك بعد ذلك بمائتي سنه في مشهد راس الحسين، والخطا الذي وقع فيه الكوهيني هو تصديقه لهذه الخدعه، وترديده لها دون ان يتاملها، او يراجعها مع علماء عصره.
لقد اتفقت كلمه المؤرخين علي ان السيده زينب بنت علي لم تدخل مصر، وبالتالي لم تدفن فيها، ومن هؤلاء ابن ميسر (677هـ)، وابن تغري بردي (704هـ)، وابن الزيات المصري (814هـ) الذي ذكر جميع المسميات بزينب المدفونات بمصر في قائمه تضم 11 ممن اسمهن زينب، وليس فيهن زينب بنت علي بن ابي طالب، وكذا تلميذه نور الدين السخاوي (814هـ) ترجم للمدفونات بمصر، وذكر منهن 4 اسمهن زينب، وليست منهن زينب الكبري، وكذلك ابن ظهيره المصري (891هـ)، والحافظ السخاوي (902هـ)، وله تاليف منفرد عن السيده زينب الكبري، ولم يذكر انها دفنت في مصر، والحافظ السيوطي (911هـ) له رساله "العجاجه الزرنبيه في السلاله الزينبيه" لم يشر فيها الي سفر زينب الكبري الي مصر، ودفنها في اراضيها.
وقد ذكر المقريزي (845هـ) مشهد زين العابدين يعني مشهد راس زيد بن علي، ومشهد ام كلثوم بنت محمد بن جعفر الصادق، ومشهد السيده نفيسه، وقال في موضع اخر: "وفي خارج باب النصر في اوائل المقابر قبر السيده زينب بنت احمد بن جعفر بن محمد بن الحنفيه.. وتسميه العامه مشهد السيده زينب"، وهذا التصريح يكشف منشا خطا العامه وانتشار هذا الوهم.. وقد تاسس بناء المشهد المنسوب لزينب بعد ذلك بناء علي رؤيا راها الصوفي علي الخوَاص، قصها علي الصوفي الشهير عبد الوهاب الشعراني في القرن العاشر الهجري، حيث قال الشعراني: "اخبرني علي الخواص ان السيده زينب المدفونه بقناطر السباع ابنه الامام علي رضي الله عنه، وانها في هذا المكان بلا شك"(!!) ثم تابعه الصوفيه الخرافيون علي هذا الكذب والكشف الشيطاني.
لقد اعتمد المثبتون لروايه دخول السيده زينب القاهره علي ما روي عن الرحاله الكوهيني، وعلي رساله منسوبه للمؤرخ العبيدلي مكذوبه عليه، ومضمون هذا: ان زينب بنت علي بن ابي طالب رضي الله عنها، لما قدمت الي المدينه عائده من دمشق، جعلت تخطب في الناس وتؤلبهم علي خلع يزيد والاخذ بثار الحسين، فكتب والي المدينه عمرو بن سعيد بن العاص ـ الاشدق - الي يزيد يعلمه الخبر، فرد عليه ان فرّق بينها وبينهم، فامرها بالخروج فاختارت مصر، ودخلتها في شعبان سنه 61هـ، ومعها فاطمه، وسكينه، وعلي ابناء الحسين، واستقبلها الناس في بلبيس، وتقدم اليها واليها مسلمة بن مخلد الأنصاري، واستضافها في داره الحمراء، فاقامت به احد عشر شهرًا وخمسه عشر يومًا، وتوفت يوم الاحد لخمسه عشر يومًا مضت من رجب سنه 62هـ، وصلي عليها مسلمه بن مخلد ورجع بها فدفنوها بالحمراء بمخدعها من الدار حسب وصيتها".. ورد المؤرخون الثقه ومحققو حوادث تلك الفتره علي هذا الزعم بالاتي:
- استبعاد تصدي السيده زينب رضوان الله عليها للخطابه في الناس، وهي التي لم يرَ احد من الاجانب شخصها في نور النهار، وايضًا في وجود زوجها عبد الله بن جعفر وابن اخيها علي بن الحسين، وهو الولي الوحيد لدم ابيه، واحق الناس به.
- انشغال المدينه واهلها باحداث عبد الله بن الزبير عن المطالبه بثار الحسين.
- ان مصر في ذلك الوقت كان بها مسلمه بن مخلد ومعاويه بن خديج علي وجه الخصوص، وقد كانا راس المطالبين بدم عثمان، ولم يبايعا عليًا ولم ياتمرا بامر نوابه بمصر، ولذلك تعدهما الشيعه من الد اعداء علي ومن اخلص احباء معاويه، فكيف طابت مصر لزينب ان تتخذها مسكناً لها، ثم تنـزل في داره، وتموت عنده، بل ويصلي عليها!!
- لم يذكر اي مصدر ان زوجها عبد الله بن جعفر الطيار سافر معها، او اذن لها بالسفر، او زارها بعد استقرارها في مصر، ولا ان احدًا من بني هاشم زارها في حياتها، ولا بعد مماتها.
- ان كتب العبيدلي الاخري مثل اخبار المدينه، وكتاب النسب لم تشر لما نسب اليه في وريقات رسالته "اخبار الزينبيات"، وكثير من المؤلفين نقلوا عن كتبه كثيرًا كابي الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبين، وشيخ الشرف العبيدلي في تهذيب الانساب، وابن طقطقي في النسب الاصيلي، والنسابه العمري في المجدي، واكثرهم تعرض لترجمه زينب الكبري ولكن لم ينقل احد عنه انها ذهبت الي مصر وماتت بها.
- اقوال كبار المؤرخين لم تُثبت دخول زينب الكبري مصر، ومنهم: عبد الرحمن بن الحكم المعاصر للعبيدلي والمتوفي سنه 257هـ، الذي الف عده كتب في اخبار مصر وذكر جمله من الصحابه الذين دخلوا مصر، وليس فيهم ذكر زينب الكبري ورحلتها الي مصر، ومعاصره محمد ابن الربيع الجيزي الذي ترجم للصحابه والصحابيات الذين دخلوا مصر، وكذا القضاعي المتوفي سنه 453هـ، وله تاليف في مزارات مصر سماه انس الزائرين، وابن جبير الأندلسي اثناء رحلته الي القاهره عام 578هـ، وهكذا ابن اسعد الجواني المتوفي سنه600، وله مزارات الاشراف، وابن ميسر المصري المتوفي سنه 677هـ، وله كتاب في تاريخ مصر، وابن تغري بردي المتوفي سنه 704هـ في كتابه "النجوم الزاهره في اخبار ملوك مصر والقاهره"، وابن دقماق المتوفي سنه792هـ، وله في اخبار مصر وخططها كتاب "الانتصار لواسطه عقد الامصار"، وابن الناسخ المصري المتوفي سنه 800هـ في كتابه مصابيح الدياجي وغوث الراجي، وهو مخطوط لم يطبع بعد، وابن الزيات الانصاري المتوفي سنه 814هـ، وكتابه الكواكب السياره في ترتيب الزياره، ونور الدين السخاوي المتوفي سنه 814هـ، وله كتاب تحفه الاحباب، والمقريزي المتوفي سنه 845هـ، وكتبه الخطط واتعاظ الحنفاء، والقاضي ابن ظهيره المتوفي سنه891هـ، وكتابه الفضائل الباهره في محاسن مصر والقاهره، والحافظ السخاوي المتوفي سنه 902هـ، وله كتاب مفرد في ترجمه زينب الكبري، والسيوطي المتوفي سنه911هـ، وله كتاب حسن المحاضره، وكتاب در السحابه فيمن دخل مصر من الصحابه، ترجم فيه مئات الصحابه، وسبع صحابيات ليس فيهن زينب الكبري، واحمد بن محمد السلفي المتوفي سنه 576 هـ يصرح بانه لم يمت لعلي بن ابي طالب ولد لصلبه في مصر.
ومن ناحيه اخري، انتهي الباحث في تاريخ القاهره احمد حافظ الحديدي ـ حفيد الجبرتي ـ في دراسه له، الي انه بعد مراجعه تاريخيه موضوعيه ونزيهه استغرقت بضع سنوات، تبين له انه حتي القرن العاشر الهجري الموافق السادس عشر الميلادي لم يكن يوجد مدفن للسيده زينب في القاهره.. وقال ان الضريح المعروف حاليًا في وسط العاصمه المصريه لم يكن ارضًا عند وفاه السيده زينب عام 62 هجريه، بل كان جزءًا من نهر النيل، وهذا ثابت تاريخيًا في المراجع المتخصصه، وبعد ان انتقل نهر النيل منه، ظل مليئًا بالبرك والمستنقعات لمده 300 سنه، وان المكان الحالي لمسجد السيده زينب كان في عصر الدوله الامويه جزءًا من بركه قارون التي اخذت بعد ذلك في التقلص، لكن بقيتها ظلت موجوده حتي نهايه القرن التاسع عشر.
واعتبر ان الحديث التاريخي عن وجود اضرحه لال البيت في مصر من فتنه الدوله الفاطميه، فقد ضخم الفاطميون اشياء كثيره وكبروها، بل واخترعوها اختراعًا، لكن في الحقيقه المؤرخ والكاتب المصري محكوم بقوي ضاغطه من بعض جماعات التصوف والتي لا تري ضروره البحث العلمي الموضوعي، فاذا حدثتها بان هناك شكًا في قبر الحسين او قبر السيده زينب او كذا، كان الرد عنيفًا.
فالدوله الفاطميه لم تقصر في انتحال كثير من هذه الاشياء وفي التدليس بها، وكان لديها قافله من الكتاب تخصصوا في مثل هذه الاعمال، وبعضهم اعترف بانه ماجور وباع دينه من اجل ان يكسب حلوي واموال الفاطميين.
واوضح الحديدي الذي يوصف بانه "حاره القاهره" لاهتمامه الواسع بتاريخها، في دراسته، ان ضريح السيده زينب بمصر لم يذكر مطلقًا في المصادر التاريخيه، سواء في المصادر العامه وبعضها موسوعي، او في المصادر المتخصصه في موضوع الخطط والمزارات القاهريه، ولا في كتب الرحاله المسلمين مثل ابن جبير ومحمد العبدري، وقال ان هذا القول يعود الي شائعه انتشرت في نهايه عصر المماليك الجراكسه وقام بنشرها طائفه الادباتيه والمداحون الذين كانوا يجوبون الموالد والمقاهي للارتزاق.. كما اشار الي اختلاف الاقوال في موقع دفنها بالقاهره، منها انها في قبر قرب قناطر السباع، ومقوله اخري بانها مدفونه في جبانه بيت النصر، وقال ان اول نص مكتوب عن نسبه هذا الضريح الي السيده زينب ورد في حكايه سجلها الشيخ عبد الوهاب الشعراني (المتوفي سنه 973هـ/1565م) في بعض كتبه مثل كتاب المنن الكبري، اي بعد نحو تسعه قرون من وفاتها.