قصف منابر الله كيف حكمت الدوحة المساجد بالأئمة المخبرين؟
William Harris 09/18 21:34
دائما ما ترتبط الأسرار بمن يعملون فى الظلام، أولئك الذين يحيكون المؤامرات ليل نهار ضد من مدوا أيديهم لهم يومًا بالمساعدة والدعم، مستعينين فى ذلك بجماعات الإرهاب والقتل والتخريب، ولعل أبرز الأمثلة الدالة على ذلك، دويلة قطر، بما تتضمنه من مؤامرات داخل قصر حكامها، ضد بعضهم بعضًا، وبحق أشقائها العرب. ما أبرز تلك الأسرار؟، وما الذى تخفيه «الدوحة» داخل «الوكر» الذى يقطن فيه تميم وعائلته، وشهد أغرب الانقلابات فى العالم، تلك التى ينقلب فيها الابن على أبيه، فيأتى ابن هذا «المُنقلب» ليذيقه من نفس الكأس؟، سؤالان نجيب عنهما فى حلقات متصلة فى «الدستور» نحاول فيها «تشريح» أو قل «فضح» عقلية النظام القطرى الداعم للإرهاب.
الشيخ عبدالله استقطب «المتأسلمين» والتكفيريين بـ«الكبسة الضانى» والريالات
من يحكم قطر؟ هذا أول سؤال يتبادر إلى ذهن من يقرأ تغريدات الصحفى الكويتى المخضرم أحمد الجار الله، عبر موقع «تويتر»، بعد الموقف الذى أظهرته «الدوحة» فيما يتعلق بالاتصال الهاتفى، الذى أجراه تميم بن حمد بولى العهد السعودى محمد بن سلمان.
كتب الجار الله آنذاك: «ساعتان وتبدلت الأمور والتوجهات القطرية، حتى قناة الجزيرة كان لها توجهاتها وتفسيراتها حول مهاتفة أمير قطر لولى العهد السعودى! قطر لها حاكم غير تميم».
وقبل أقل من ٥ دقائق، دوّن الجار الله على «تويتر»: «بيان الخارجية القطرية مختلف عن مضمون حوار الأمير تميم مع ولى العهد السعودى، قطر قراراتها بيد أكثر من جهة! مطلوب من تميم أن يحزم أمره.. يحكم أو يترك».
حتى عام ٢٠١٣ كانت هناك مسألة تثير تساؤلات الكثيرين حول وجود صفحتين فى القائمة الرئيسية على موقع وزارة الداخلية القطرية على الإنترنت.
الصفحة الأولى تخص وزير الدولة للشئون الداخلية وتقدم سيرته الذاتية، وهو عبدالله بن ناصر آل خليفة (وزير الداخلية، رئيس الوزراء الحالى)، الذى يظهر فى المناسبات المهمة، ويفتتح مرافق وزارة الداخلية، ويدشن أقسامها الجديدة، ويحضر حفلات تخريج الضباط وضباط الصف والمجندين التى تقام تحت رعايته، أما الصفحة الأخرى فكانت تخص شخصًا قيل إنه وزير الداخلية آنذاك، ولم يكن محتواها سوى عدة عبارات مقتضبة عن الرجل الذى مكث فى الظل لأسباب غير معلومة؛ ولسبب ما حذف الموقع صفحة وزير الداخلية، رجل الظل، وبالبحث عن هذه الشخصية المجهولة وجُد أنه الشيخ عبدالله بن خالد بن حمد آل ثانى.
عُيّن عبدالله بن خالد بن حمد آل ثانى وزيرًا للأوقاف باختيار حمد بن خليفة عندما كان وليًا لعهد الشيخ خليفة، فاستبشر الناس خيرًا بالرجل، فهو مطوّع «ملتزم دينيًا وملتح باللهجة القطرية»، وقد أشيع عنه أنه تقىٌ ورع، وقيل إنه سخى كريم وأياديه البيضاء لا تكل ولا تمل عن نثر الخير على المعوزين والمساكين، وقيل إن أطفاله يجلسون عند محفظى القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، حتى صار المحفظون شبه مقيمين بمنزله.
وفى ٢٠٠١ صدر قرار الأمير بالتغيير الوزارى، وأصبح الشيخ عبدالله بن خالد وزير الشؤون الداخلية، والمسؤول الأول عن أمن الدولة، وخلفه بوزارة الأوقاف كاتم أسراره وساعده الأيمن ومدير مكتبه السابق، عبدالله غراب، ليضمن بذلك أن الأوقاف ستظل على النهج المستقيم الذى رسمه الشيخ قبل مغادرتها.
شيد الشيخ عبدالله إمبرطوريته الخاصة بمنطقة «الوعب»، وبنى لكل من زوجاته قصرًا بالقرب من استاد خليفة، وشيد الملاعب والبحيرات وحمامات السباحة ومزارع النعام، وتوقف أبناؤه عن حفظ القرآن الكريم، وأصدر تعليماته لهم بتعلم الموسيقى والرسم، وأمر بتعيين المحفظين، الذين كانوا شبه مقيمين بمنزله، فى وزارة الأوقاف،
وتلخصت توجيهات الوزير بشأن اختيار وتعيين مقيمى الشعائر والوعاظ والدعاة الجدد فى ضرورة اتباع سياسة «سمك.. لبن.. تمر هندى»، فقد حرص على إرضاء الجميع بما فى ذلك جماعات التبليغ والدعوة والسلفيين والإخوان والتكفير والهجرة والجهاد والعائدين من أفغانستان، وكان الهدف من ذلك وضع جميع التيارات الدينية تحت المجهر، فى خطة مُحكمة لاختراقها ومعرفة خباياها، وعن طريق الإغراءات التى تصعب مقاومتها، مثل ولائم المكبوس باللحم الضانى واللبن الرايب، واللبنة التركية اللذيذة، والطعام الطيب، والمكافآت المالية والترقيات والحوافز وحتى منح الجنسية.
انتقاد النظام ممنوع.. والدعاة مجتهدون لحصد أكبر مبلغ ممكن مقابل الفتاوى الموجهة
موضوع الحكم بما أنزل الله كان مطروحًا للمناقشة، إذا كان الحديث عن أى بقعة فى العالم إلا قطر، فقد أطعم الشيخ عبدالله الأفواه، فاستحت العيون، وأنعم على المشايخ بالرواتب التى لا يحلمون بها فى بلادهم وأصبح الدين تجارة، فالخطبة والإمامة والدروس، كل بمقابل معلوم، وعلى الواعظ والداعية أن يجتهد من أجل جمع وتحصيل أكبر مبلغ ممكن كل شهر، أما عن مواضيع الخطبة المكتوبة التى توزعها الوزارة لخطة الشهر، فلا يجب أن تمس النظام لا من قريب ولا من بعيد: «التعليمات هى أن يقتصر الحديث فى خطبة الجمعة على الذكر والاستعداد للموت وبر الوالدين وصلة الرحم».
آثر الوعاظ والدعاة السلامة فلم يتكلموا قط فى أى شىء يمس النظام، حتى فى مجالسهم الخاصة، لأنهم يعرفون العقوبة، فالعقوبة لا تشمل السجن أو الاعتقال أو التعذيب، العقوبة هى الخروج من جنة الوزير، أى الإبعاد من قطر، وبئس العقوبة، التى تشمل بين أشياء كثيرة، الحرمان من المكبوس واللحم الضانى، والتضحية بالراتب المحترم.
ونشر الوزير المخبرين فى جميع المساجد، لضبط أداء الخطباء، وتم إبعاد أية داعية يخالف التعليمات، كان من الممنوع التعرض لأى شخصية أو التعليق على أى حدث يمس النظام، وإلا الإبعاد الإدارى والعودة إلى بلده فى نفس اليوم.
ولأجل أكل العيش بلع الدعاة ألسنتهم، بناء على تعليمات السيد الوزير، إمام أهل السنة فى زمانه. وكثرت التخمينات عن توجه الوزير ومشاربه، فهناك من قالوا إنه تبليغ، وهناك من ساقوا الحجج والبراهين على أنه سلفى، وأكد فريق ثالث على أن سمته وكلامه يؤكدان أنه إخوان.
الحقيقة التى لا يختلف عليها عاقلان هى أنه كان رجل أمن، وضعه ولى العهد فى الأوقاف لضبط الأداء وإحكام قبضة النظام القطرى على المساجد وتدجين الدعاة حتى يصبحوا من المسبحين بحمد الحاكم واللاهجين بقول آمين على كل كلمة لأصحاب البلاد وأسياد العباد.
وليمتان أجبرتا مشايخ الدوحة على مبايعة الانقلاب وتجاهل زيارة بيريز
لم يكن الشيخ عبدالله إلا ضابط شرطة تحول فى غمضة عين إلى وزير للأوقاف، فسحب معاونيه ورجاله فى الشرطة وجعلهم معه فى الأوقاف، وكان يصدر أوامره لرجال الداخلية والشرطة، فتنفذ على الفور.
وقُبيل انقلاب حمد على أبيه، سحب وزير الأوقاف كل أرصدته من البنوك المحلية بطريقة تدريجية، وكان لديه ١٤ حسابًا فى بنوك قطر، فقد أدرك بحاسته الأمنية أن ثمة أحداث كبرى توشك أن تطرق الأبواب، وسارع الدعاة وكبار المشايخ والعلماء بتقديم التهانى ومبايعة حمد وانهالت عليه الدعوات وأدوا بدورهم المرسوم فى تثبيت النظام الجديد بتدجين العوام والناس المساكين عبر خطبة الجمعة ودروس العصر.
وأمر وزير الأوقاف بجمع جميع الخطباء والمشايخ والعلماء فى مجلسه، وقدم لهم وليمة لا مثيل لها، وبعد الغداء تحدث معهم فى «الجد».
قال الوزير للدعاة الذين اشتراهم بالولائم: «الشيخ حمد بيحب الناس المطاوعة.. وهو ناوى يكرمكم.. وما عندوش مانع أن يقوم بإعطاء الجنسية القطرية للملتزمين». وفى يوم الجمعة التالى، الذى لم تشهد مساجد قطر له مثيلًا، تسابق الخطباء والعلماء فى إلقاء الخطبة العصماء فى وجوب البيعة للأمير وطاعة ولى الأمر وحرمة الخروج عليه ووجوب معاونته والدعاء له، والإجماع عليه. وأتى الخطباء بالأعاجيب والدعاء العريض، فسخر منهم القاصى والدانى، وصار الناس يستهزئون بهم وينتقدون نفاقهم المفضوح.
وقبل موعد زيارة شيمون بيريز إلى قطر بغرض افتتاح مكتب التمثيل التجارى الإسرائيلى فى الدوحة بعدة أيام، وجه وزير الأوقاف الدعوة لكل الأئمة والخطباء والعلماء فى بيته، وكانت وليمة طبق الأصل للولائم السابقة.
وبعد الغداء وشرب اللبن الرايب، لزوم الهضم، والقهوة لزوم الحبس، قال الوزير: «تعرفون أن بيريز قادم، وهذى سياسة، ولا نريد الكلام عن هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد. وما أبغى حد يجيب سيرة اليهود بالمرة.. وما أبغى الأمير يزعل منكم والذى لا يستطيع أن يمنع نفسه عن الكلام، فلا يصعد المنبر، ونشوف حد يخطب مكانه».
عجلت العلاقة السيئة بين الشيخ عبدالله، وزير الداخلية، وحمد بن جاسم، وزير الخارجية بكتابة النهاية التراجيدية لرجل الأمن، الذى وضعه حمد بن خليفة أمينًا على المنابر لمدة امتدت إلى نحو ١٠ سنوات.
ولما كان بن جاسم يريد الاستئثار بالقوة داخل أروقة النظام القطرى، فقد نشر عيونه وأعوانه ومحاسيبه داخل وزارة الداخلية، وكان أول قرارات وزير الداخلية الجديد تطهيرها من ذيول حمد بن جاسم، الأمر الذى أغضب الأخير غضبًا شديدًا، فبدأت الخلافات تدب بينهما، وتفرغ بن جاسم للنبش فى جميع تصرفات وقرارات الشيخ عبدالله، ومراقبة رجاله.
ورفع بن جاسم العديد من التقارير للأمير السابق، مدعيًا اكتشاف تجاوزات خطيرة فى سيرة وزير الداخلية، فلم يعره الأمير السابق اهتمامًا كبيرًا، ما دفع بن جاسم إلى تقديم استقالته للضغط على الأمير، وأدرك الأمير أن بن جاسم قد حسم أمره وأن لسان حاله: «يا أنا يا هو»، وتفاقمت الخلافات والمصادمات، وانتهز بن جاسم كل الفرص لتحريض الأمير السابق على الاستغناء عن الشيخ عبدالله.
ومن هذه الفرص رفض وزير الداخلية منح تأشيرات الدخول للاعبات مشاركات فى إحدى دورات التنس النسائية، وبسبب تحريض بن جاسم، اشتد غضب الأمير السابق، وبدأ يفكر فى تكدير صفو وزير الداخلية، فأقدم على فصل أحمد صويلح، مرافق الشيخ عبدالله وصديقه المقرب، وكان صويلح يتولى منصب مدير مكتب مكافحة المخدرات.
ورفع بن جاسم تقريرًا ضده للأمير السابق اتهمه بالاتجار فى المخدرات «على خفيف»، وتقريرًا ثانيًا اتهمه بالتحرش جنسيًا بالنساء المقبوض عليهن فى قضايا مخدرات، وتقرير ثالث قال إن إحدى النساء كتبت شكوى لولى العهد تتهم فيها صويلح بالتحرش، وإنها سجلت كلامه. لذلك قرر الأمير السابق فصل أحمد صويلح من منصبه، ومصادرة ممتلكاته، ثم صدر قرار بفصل أحمد حكيم، مساعد وزير الداخلية، ثم صدر قرار بتسريح حرس الشيخ عبدالله، ومصادرة أسلحتهم وكان عددهم يفوق المائتين، وقرار بسحب الضباط والأفراد المكلفين بحماية الوزير وإعادتهم إلى وظائفهم الأساسية بالشرطة، وقرار بتتبع معظم من ساعد الشيخ عبدالله على منحهم الجنسية القطرية، أو جوازات سفر فتم سحبها، وقرار بتتبع كل من عينهم الشيخ عبدالله فى الشرطة وإقالتهم من وظائفهم.
وطالب النظام القطرى الشيخ عبدالله بتخفيض العمالة التى يكفلها فأقدم مدير مكتبه على تسريح مئات العمال وتسفيرهم خارج البلاد، ولم يسمح لهؤلاء بنقل الكفالة إلى وظائف أخرى، وتوالت الضربات على الشيخ عبدالله، إلا أن نجح بن جاسم فى تقليص نفوذه والتضييق عليه ماديًا ومعنويًا.
«الجزيرة» تخدع الجميع.. حتى شافيز
عندما تحدثك قناة «الجزيرة» عن احتجاجات حاشدة، قد تجدها عبارة عن عشرات الأشخاص أخرجتهم من بيوتهم الحاجة إلى بضعة جنيهات، فهو تظاهر بالأجر، والحساب بالساعة، وإذا قيل لك إن تميم بن حمد أمير قطر، فهذا أيضًا غير مؤكد فى هذا الزمان، فربما يكون فى الكواليس أكثر من يد تحركه كيف شاءت كإحدى عرائس «الماريونت».
وإذا قيل لك إن محمد بن عبدالرحمن، وزير خارجية قطر، فهذا أيضا أمر مشكوك فيه، والدليل تغريدات شقيق الأمير جوعان بن حمد عبر «تويتر» تعليقًا على اتصال تميم بولى العهد السعودى.
وإذا قالت قناة «الجزيرة» إن وزارة الأوقاف فى مصر وحدت خطبة الجمعة لتكميم الأفواه، فاسأل شقيقك أو صديقك المقيم فى الدوحة، وضواحيها، لتتيقن بنفسك من أن الخطبة فى قطر توزع على الأئمة وفقًا لخطة شهرية، لا يجرؤ أحد عن الخروج عنها.
نصيحة.. لا تجعل أى شعور يتسرب إلى نفسك بأن ذلك قد يعيبك، فلست أول من يُخْدَع بما يقال وما ينشر، ولن تكون الأخير، فالرئيس الفنزويلى الراحل هوجو شافيز وقع فى الخطأ مثلك تمامًا، فأجرى مقابلة مع «الجزيرة» فى ٢٠٠٤، وأثنى عليها وأعرب عن رغبته فى أن تحذو بلاده حذو النظام القطرى، فتنشئ فضائية مماثلة لدول أمريكا اللاتينية، واعتبر شافيز الفضائية القطرية رمزا للشجاعة والكرامة والإباء وصوتًا للحقيقة و.. و.. إلى آخر هذه القائمة من كلمات الإطراء.
وسعى شافيز باهتمام كبير إلى الاستفادة من تجربة «الجزيرة»، وفى ٢٠٠٥ افتتح بالفعل قناة «TeleSUR»، التى بدأت بث برامجها لمدة ٤ ساعات يوميًا للجمهور فى دول أمريكا اللاتينية، وتم توقيع اتفاقية بينها و«الجزيرة» لتبادل المواد الإخبارية والبرامج.